غانم قدوري الحمد

86

محاضرات في علوم القرآن

وإن لم تكن مرسومة في المصحف ، فكانوا يعلّمون الناس القرآن ويوقفونهم على رؤوس الآي ، وقد وضعوا أول الأمر ثلاث نقاط عند رأس الآية « 1 » ، ثم تطورت فصارت دائرة ، ثم كتب رقم الآية في داخلها في العصور المتأخرة . وظهر في المراكز العلمية الخمسة : مكة والمدينة والكوفة والبصرة والشام ( دمشق ) علماء اشتهروا بمعرفة عدد الآيات ، واعتنوا بإحصاء عدد كلمات كل سورة وعدد حروفها ، كذلك اعتنوا بتجزئة القرآن ثلاثين جزءا أو ستين أو أكثر من ذلك ، وضعوا علامات للخموس والعشور والأجزاء ، كرهها الفقهاء في أول الأمر ، كما كرهوا النقط والشكل في المصاحف ، وكانوا يقولون : جرّدوا القرآن ولا تخلطوا به شيئا ، وكرهوا فواتح السور التي يكتب فيها اسم السورة وعدد آياتها ومكية أو مدنية « 2 » . ثم خفّت الكراهة وأثبت الخطاطون تلك الزيادات في المصحف ، وصار استعمال النقط والشكل في المصاحف لازما صيانة له من اللحن والتحريف . وألّف علماء القرآن كتبا كثيرة في علم العدد القرآني ، ذكر ابن النديم منها قريبا من عشرين كتابا إلى زمن تأليفه كتاب « الفهرست » سنة 377 ه ، ويكاد كتاب الدانيّ « البيان في عدّ آي القرآن » يكون أوسع كتاب في هذا الموضوع وأكثر كتبه شهرة ، قال في مقدمته : « هذا كتاب عدد آي القرآن وكلمه وحروفه ، ومعرفة خموسه وعشوره ، ومكيّه ومدنيّه ، وبيان ما اختلف فيه أئمة أهل الحجاز والعراق والشام من العدد ، وما اتفقوا عليه منه ، وما جاء من السّنن والآثار في عدد الآي عن السالفين ، وورد من الآثار في العقد بالأصابع عن الماضين ، وسائر ما ينتظم بذلك من الأبواب . . . » « 3 » .

--> ( 1 ) ينظر : ابن أبي داود : كتاب المصاحف ص 143 . ( 2 ) ينظر : الداني : المحكم ص 10 - 15 ، والسيوطي : الاتقان 4 / 160 - 161 . ( 3 ) كتاب البيان ص 19 .